أحمد بن محمد القسطلاني

167

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

وهي قرية من قرى عبد القيس ، أو مدينة أو حصن ، وفي رواية وكيع : قرية من قرى البحرين . واستدلّ به إمامنا الأعظم الشافعي ، وأحمد على : أن الجمعة تقام في القرية إذا كان فيها أربعون رجلاً أحرارًا بالغين ، مقيمين ، ولا يظعنون عنها صيفًا ولا شتاء إلا لحاجة ، سواء كانت أبنيتها من حجر أو طين ، أو خشب أو قصب ، أو نحوها ، فلو انهدمت أبنيتها فأقام أهلها على العمارة لزمتهم الجمعة فيها ، لأنها وطنهم ، سواء كانوا في مظال أم لا ، وسواء فيها المسجد والدار والفضاء ، بخلاف الصحراء . وخصه المالكية بالجامع المبني ، وبالعتيق : في كل قرية فيها مسجد وسوق . واشترط الحنفية لإقامتها المصر أو فناءه ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا جمعة ولا تشريق إلاّ في مصر جامع " . رواه عبد الرزاق . وأجابوا عن قوله جؤاثى : إنها مدينة ، كما قاله البكري ، وقول امرئ القيس : ورحنا كأنا من جؤاثى عشية . . . نعالي النعاج بين عدل ومحقب يريد : كأنا من تجار جؤاثى لكثرة ما معهم من الصيد ، وأراد : كثرة أمتعة تجار جؤاثى ، وكثرة الأمتعة تدل غالبًا على كثرة التجار ، وكثرة التجار تدل على أن جؤاثى مدينة قطعًا ، لأن القرية لا يكون فيها تجار غالبًا عادة ، ولئن سلمنا أنها قرية ، فليس في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام اطّلع على ذلك وأقرّهم عليه . اه - . وقد سبق في نفس الحديث من رواية وكيع : أنها قرية من قرى البحرين ، وفي أخرى عنه : من قرى عبد القيس . وكذا للإسماعيلي من رواية محمد بن أبي حفصة ، عن ابن طهمان ، وهو نص في موضع النزاع ، فالمصير إليه أولى من قول البكري وغيره ، على أنه يحتمل أنها كانت في الأول قرية ، ثم صارت مدينة . والظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن الوحي ، ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن ، كما استدل جابر وأبو سعيد على جواز العزل ، بأنهم فعلوه والقرآن ينزل ، فلم ينهوا عنه . والمصر عند أبي حنيفة ، رحمه الله : كل بلدة فيها ملك وأسواق ولها رساتيق ووالٍ لدفع الظلم ، وعالم يرجع إليه في الحوادث . وعند أبي يوسف ، رحمه الله : كل موضع له أمير وقاضٍ ينفذ الأحكام ، وهو مختار الكرخي ، وعنه أيضًا أن : يبلغ سكانه عشرة آلاف ، وأما فناؤه فهو ما أعدّ لحوائج المصر ، من : ركض الخيل ، والخروج للرمي ، وغيرهما . وفي الخانية : لا بدّ أن يكون متصلاً بالمصر ، حتى لو كان بينه وبين المصر فرجة ، من المزارع والمراعي لا يكون فناء له ، ومقدار التباعد أربعمائة ذراع ، وعند أبي يوسف ميلان . اه - . ورواة هذا الحديث ما بين بصري وهروي ، وفيه التحديث والعنعنة والقول . 893 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : « كُلُّكُمْ رَاعٍ » . وَزَادَ اللَّيْثُ قَالَ : يُونُسُ كَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ - وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي الْقُرَى - : هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ ؟ وَرُزَيْقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ ، وَرُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ ، فَكَتَبَ ابْنُ شِهَابٍ - وَأَنَا أَسْمَعُ - يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : « كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ : الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ - قَالَ : وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ : وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ » . [ الحديث 893 - أطرافه في : 2409 ، 2554 ، 2558 ، 2751 ، 5188 ، 5200 ، 7138 ] . وبه قال : ( حدّثنا بشر بن محمد ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة ( المروزي ) السجستاني ، وسقط : المروزي ، عند ابن عساكر ( قال : أخبرنا عبد الله ) بن المبارك ( قال : أخبرنا يونس ) بن يزيد الأيلي ( عن ) ابن شهاب ( الزهري ) أنه ( قال : أخبرنا ) بالجمع ، ولأبي ذر وابن عساكر : أخبرني ( سالم بن عبد الله ) بن عمر ، وسقط : ابن عبد الله للأربعة ( عن ابن عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنهما ) أنه ( قال : سمعت ) ولكريمة : قال إن ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول ) : ( كلكم راعٍ ) أي : حافظ ملتزم صلاح ما قام عليه ، وما هو تحت نظره ، فكل مَن كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه ، والقيام بمصالحه في دينه ومتعلقاته ، فإن وفى ما عليه من الرعاية ، حصل له الحظ الأوفر ، والجزاء الأكبر ، وإلاَّ طالبه كل واحد من رعيته في الآخرة بحقه . ( وزاد الليث ) بن سعد ، إمام المصريين ، رحمه الله ، في روايته على رواية عبد الله بن المبارك ، مما وصله الذهلي عن أبي صالح ، كاتب الليث ، عنه ( قال يونس ) بن يزيد : ( كتب رزيق بن حكيم ) بتقديم الراء المضمومة على الزاي المفتوحة في الأوّل ، وضم الحاء المهملة وفتح الكاف على صيغة تصغير الثلاثي في الثاني ، الفزاري ، مولى بني فزارة ، ولابن عساكر : وكتب ( إلى ابن شهاب ) الزهري ( وأنا معه يومئذ بوادي القرى ) من أعمال المدينة ، فتحه عليه الصلاة والسلام في جمادى الآخرة سنة سبع من الهجرة ، لما انصرف من خيبر . ( هل ترى أن أجمع ) أي : أن أصلي بمن معي